الشنقيطي

207

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته ، كما يقال للرجال : يا أخا تميم ، والمراد يا أخا بني تميم ، لأنه من ذرية تميم . ومن هذا القبيل قوله : * وَاذْكُرْ أَخا عادٍ [ الأحقاف : 21 ] ، لأن هودا إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته ، فهو أخو بني عاد ، وهم المراد بعاد في الآية لأن المراد بها القبيلة لا الجد . وإذا حققت أن المراد بهارون في الآية غير هارون أخي موسى ، فاعلم أن بعض العلماء : قال : إن لها أخا اسمه هارون . وبعضهم يقول : إن هاروت المذكور رجل من قومها مشهور بالصلاح ، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبه في العبادة والتقوى . وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب ، فمنه في القرآن قوله تعالى : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [ الزخرف : 48 ] الآية ، وقوله تعالى : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : 27 ] الآية ، وقوله تعالى وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) [ الأعراف : 202 ] ، ومنه في كلام العرب قوله : وكل أخ يفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان فجعل الفرقدين أخوين . وكثيرا ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب ، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن : أخا الحرب لباسا إليها جلالها * وليس بولاج الخوالف أعقلا فقوله : « أخا الحرب » يعني صاحبها ؛ ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب : عشية سعدى لو تراءت لراهب * بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها * على النأي إخوان العزاء هيوج فقوله « إخوان العزاء » يعني أصحاب الصبر . قوله تعالى : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [ 29 ] . معنى إشارتها إليه : أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر . والدليل على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله تعالى بعده : قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) فالفعل الماضي الذي هو « كان » بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال كما يدل عليه السياق . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ 30 - 33 ] .